قالت صحيفة "معاريف" العبرية، إنه سيتعين على مصر بعد انتهاء الحرب بين إسرائيل وإيران، التعامل مع ثلاث أزمات - اقتصادية وسياسية وإعلامية- ومعرفة كيف سيتم النظر إليها في العالم العربي بعد اختيارها سياسة حذرة في حين كانت المنطقة تحترق.
وأضاف العقيد (احتياط) بالجيش الإسرائيلي، أمير نوي في تحليل نشرته الصحيفة، أنه عندما تهدأ عاصفة العملية العسكرية الإسرائيلية الإيرانية، ستضطر القاهرة إلى مواجهة سؤال استراتيجي أوسع بكثير: هل حمت السياسة الحذرة التي انتهجتها مصالحها، أم أنها أضرت بمكانتها في العالم العربي ووضعها الاقتصادي والسياسي؟
الخسائر الاقتصادية - قناة السويس والسياحة والعملات الأجنبية
واعتبر نوي أن الضرر الأكثر إلحاحًا الذي لحق بمصر هو ضرر اقتصادي، فقد أدت الحرب الإقليمية إلى زعزعة استقرار طرق التجارة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وقال إن أي ضرر يلحق بحركة الملاحة في المنطقة يؤثر بشكل مباشر على عائدات مصر من قناة السويس، التي تُعدّ من أهم مصادر العملات الأجنبية للبلاد. فعندما تُقرر شركات الشحن الدولية توسيع مساراتها البحرية والالتفاف حول أفريقيا، تخسر مصر مليارات الدولارات من العائدات سنويًا.
إضافة إلى ذلك، أشار إلى الضرر المحتمل الذي قد يلحق بقطاع السياحة، وهو قطاع شديد الحساسية لعدم الاستقرار الإقليمي. وهكذا تنشأ مفارقة: فمصر لم تُشارك في الحرب، لكنها تدفع ثمنًا اقتصاديًا باهظًا لها.
المفارقة العسكرية– تسليح ضخم في مواجهة واقع اقتصادي صعب
وفقًا للمحلل الإسرائيلي، تثير قضية التسلح المصري تساؤلاً استراتيجيًا عميقًا. فإذا كان الاقتصاد المصري يعاني من أزمة مستمرة، فلماذا تستمر القاهرة في استثمار مبالغ طائلة في تعزيز قوتها العسكرية، وتحديدًا في أنظمة موجهة ظاهريًا ضد إسرائيل، الدولة الوحيدة التي وقعت معها مصر اتفاقية سلام؟
وبحسب ما نقل عن بعض المستشرقين والباحثين العسكريين، فإنهم يفسرون ذلك بمجموعة من العوامل: المفهوم الأمني المصري التقليدي الذي لا يؤمن بالسلام الدائم في الشرق الأوسط؛ ورغبة النظام في الحفاظ على مكانة الجيش كركيزة أساسية للدولة؛ وطموح القاهرة في الاستمرار في الظهور كقوة عسكرية مركزية في العالم العربي.
وبعبارة أخرى، حتى عندما يتعثر الاقتصاد، فإن القوة العسكرية تُعتبر في نظر النخبة الأمنية في القاهرة بمثابة بوليصة تأمين- ليس فقط للأمن القومي ولكن أيضًا لاستقرار النظام نفسه.
مخاطر سياسية داخلية
أما التحدي الثالث - كما يشير التحليل- فهو داخلي، إذ يعتمد نظام عبدالفتاح السيسي على مزيج من السيطرة الأمنية المشددة ومحاولة الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الأساسي.
وقال إنه مع تزايد الضغوط الاقتصادية واتساع الفوارق الاجتماعية، فإن أي صدمة إقليمية قد تتحول سريعًا إلى أزمة سياسية داخلية. في ظل هذا الواقع، فإن خطر جماعة الإخوان المسلمين - حتى وإن تم تهميشه في السنوات الأخيرة - لا يختفي تمامًا، بحسب رأيه. فالأزمات الاقتصادية العميقة تُشكل أحيانًا أرضيةً خصبةً لظهور حركات المعارضة الراديكالية من جديد.
اختبار دول الخليج
وبحسب نوي، فإن أحد أهم الاختبارات التي تواجه مصر قد يأتي من دول الخليج، حيث يعمل مئات الآلاف من العمال المصريين في هذه الدول، ويرسلون مليارات الدولارات سنويًا إلى عائلاتهم في مصر. وتُعدّ هذه الأموال أحد المصادر الرئيسة للعملات الأجنبية للاقتصاد المصري.
وخلال الحرب الإقليمية، وجدت دول الخليج نفسها تحت تهديد مباشر من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تُطلقها إيران ووكلائها. وفي الوقت نفسه، انتهجت القاهرة سياسة حذرة وتجنّبت توجيه إدانة قاسية ومباشرة لطهران، كما يرصد التحليل.
وعلق المحلل الإسرائيلي: في نظر بعض النخب الخليجية، برز تناقضٌ مُقلق: كيف يُعقل أن دولةً تتمتع بدعم اقتصادي واسع وفرص عمل لمواطنيها لا تُدافع بوضوح عن أمن دول الخليج في حين أنها نفسها تتعرض للهجوم؟
مع ذلك، رجح ألا تُسرع دول الخليج إلى اتخاذ إجراءات متطرفة كطرد العمال المصريين، وذلك نظرًا لاعتمادها على هذه القوى العاملة، وللعواقب الاقتصادية والسياسية المترتبة على مثل هذه الخطوة.
لكنه رأى أن مجرد إثارة هذه القضية قد يُصبح أداة ضغط على القاهرة، ويُقوّض علاقة الثقة بين الطرفين. ما يجري اليوم بين القاهرة ودول الخليج ليس نقاشًا تكتيكيًا حول إيران، بل صراعًا خفيًا حول من يُحدد ملامح النظام الإقليمي الجديد. ولعل هذا ما دفع السيسي إلى القيام بجولة في دول الخليج مؤخرًا.
التفكير الاستراتيجي في القاهرة
ولفهم حذر مصر، شدد نوي على أنه لا بد من فهم المنطق الاستراتيجي الكامن وراءه. فبالنسبة لبعض الاستراتيجيين في القاهرة، لا يكمن الخطر في استمرار حكم آيات الله في إيران فحسب، بل أيضًا في احتمال انهيار النظام في طهران. وإذا نجحت إسرائيل والولايات المتحدة في الإطاحة بحكم آيات الله، فليس هناك ما يضمن أن يكون النظام الذي سيُعاد مكانه أكثر استقرارًا أو اعتدالاً.
وبحسب التحليل، تخشى مصر سيناريو فوضى إقليمية أو صعود قيادة جديدة تسعى إلى ترسيخ شرعيتها عبر صراعات جديدة في الشرق الأوسط. من هذا المنطلق، لا يقتصر الحذر المصري على تجنب الحرب فحسب، بل يتعداه إلى تجنب تغيرات جيوسياسية غير متوقعة قد تُضعف النظام أو مكانة مصر في العالم العربي.
وسائل الإعلام المصرية والرسالة العامة
وينعكس هذا الموقف الحذر - كما يرصد التحليل- أيضًا في الخطاب العام في مصر. فقد أكدت افتتاحيات صحيفة الأهرام الحكومية في الأسابيع الأخيرة على ضرورة تجنب تصعيد إقليمي واسع النطاق، وعلى مسؤولية القوى العظمى في منع اندلاع حرب شاملة في الشرق الأوسط. وشددت عدة مقالات على دعم مصر للاستقرار الإقليمي، محذرةً من "المغامرات العسكرية" التي قد تُشعل فتيل الصراع في المنطقة بأسرها. وفي الوقت نفسه، وُجهت انتقادات للسياسة الإسرائيلية، مع التأكيد على خطر توسيع نطاق الحرب.
واعتبر التحليل أن تصريحات المعلقين العسكريين والأكاديميين المصريين في الأسبوع الماضي تعكس خطًا مماثلاً: دعم مبدئي للاستقرار الإقليمي، وتحفظات بشأن تصعيد عسكري واسع النطاق، وتأكيد على أن مصر يجب أن تحافظ أولاً وقبل كل شيء على أمنها واستقرارها الداخلي.
مصر في اليوم التالي
في اليوم التالي للحرب، رجح نوي أن تواجه مصر اختبارًا لصورتها لا يقل أهمية عن اختبارها الاستراتيجي. فعلى مدى عقود، قدمت القاهرة نفسها كقائدة للعالم العربي وركيزة للأمن الإقليمي.
ويمكن تفسير صمتها النسبي خلال الحملة بطريقتين مختلفتين تمامًا. سيرى البعض فيه سياسة مسؤولة وحذرة لدولة تُفضل الاستقرار على المغامرات العسكرية. بينما قد يراه آخرون علامة ضعف وتراجعًا عن مكانة مصر التاريخية.
وعندما تنتهي الحرب، توقع أن تواجه مصر ثلاثة خطوط صدع: الخسارة الاقتصادية الناجمة عن الأضرار التي لحقت بقناة السويس ومصادر العملة الأجنبية، ومفارقة التسلح العسكري الهائل إلى جانب اقتصاد متعثر، والمخاطر السياسية الداخلية التي تهدد استقرار النظام.
وخلص التحليل إلى أنه "ربما اختارت مصر التزام الصمت خلال العملية العسكرية، ولكن من منظور ما بعدها، سيتم تقييم سياسة التجنب المصرية من خلال عدسة موازنة التكلفة والفائدة: ليس فقط كخيار لتقليل المخاطر المباشرة، ولكن كخطوة لها آثار على الردع، ومساحة المناورة الاستراتيجية، ومكانتها في النظام الإقليمي".

